اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي ( تعريب : عثمان هاشم )
72
تاريخ الأدب الجغرافي العربي
عند العرب ، وكان هو وما شاء اللّه الذي مر ذكره أول من وضعا الأسطرلاب 23 بين العرب . وربما أفاد في هذا من الرسالة السريانية لساويرس سبوكت التي ترجع إلى منتصف القرن السابع ، غير أنه من الصعب إصدار حكم في هذا الصدد لأن آثار الفزاري لم تصل إلينا كما وأن آثار ما شاء اللّه في نفس الموضوع معروفة لنا في ترجمتها اللاتينية الوسيطة فقط . ويلاحظ أن الفزاري قد نظم قصيدة في النجوم مفتتحا بهذا سلسلة الشعر التعليمي الذي ازدهر بشدة في العصور التالية . وأقل من ذلك بكثير معرفتنا بمصنفات الداعية الثاني للمذهب الهندي وهو يعقوب بن طارق 24 معاصر الفزاري . واعتمادا على بعض الوقائع يمكن أن نفترض أن المعين الذي استقى منه مادته كان أوسع ولم يقتصر على رسالة براهما غوبتا وحدها بل شمل عددا من الآثار الأخرى . ولكن مصنفاته هو أيضا مع الأسف الشديد لا يمكن الحكم عليها إلا من عناوينها ، ويبرز من بينها كتاب « تركيب الفلك » الذي يزعم أنه قد جمع بين دفتيه المعلومات التي استقاها من العلماء الهنود أعضاء السفارة الثانية إلى بلاط العباسيين في عام 161 ه - 777 - 778 25 ، أي بعد خلافة المنصور . أما قيمة مؤلفاته فيدل عليها ما لقيته من تقدير علماء مثل البيروني 26 ، أو إبراهيم بن عزرا الذي عاش بعد ذلك بوقت طويل في الأندلس النائية وفي إيطاليا . هذا وقد ثبتت قواعد نظام « السند هند » في الفلك العربي على أساس عدد من الرسائل الهندية في عهد المنصور وبقي سائدا سيادة مطلقة حوالي الخمسين عاما إلى عصر المأمون حين بدأ يزحمه المذهب اليوناني 27 ؛ غير أنه لا يمكن القول بأية حال أنه قد اختفى مرة واحدة بأجمعه ، فأكبر رياضى عصر المأمون قاطبة وهو الخوارزمي الذي سيرد ذكره مرارا قد وضع جداوله الفلكية « السند هند الصغير » اعتمادا على النظام الهندي 28 . وقد استمر متداولا على أية حال إلى آخر القرن الحادي عشر وأفاد منه بحاثة كبار مثل البيروني 29 الذي كان إلى جانب الترجمات العربية يعرفه معرفة جيدة - - في مصادره الأصلية 30 . أما في أراضي الخلافة الغربية فقد استمر الاهتمام به زمنا أطول ، كما يظهر ذلك من مثال إبراهيم بن عزرا 31 وغيره . وإحدى القواعد الجوهرية لهذا المذهب ظلت إلى حد ما مرتبطة بالمصنفات الجغرافية العربية على الدوام وامتد تأثيرها في بعض المجالات على العلم الأوربى إلى أيام كولومبس ، أعنى بذلك مسألة حساب خط الزوال أي خط منتصف النهار ( meridional ) من الشرق ، وأيضا نقطة ابتداء ذلك الحساب . ذلك أنه قبل مجىء النظام اليوناني كانت الأطوال عند العرب تقاس ابتداء من خط منتصف النهار عند الأرين Arine أو « قبة الأرض » الموجودة في مكان ما من الشرق . وفي القرن العشرين فقط أصبح من الممكن إلى حد ما استكناه جوهر هذه النظريات ونفض غبار الغموض الذي تراكم على ممر قرون طويلة ؛ وكانت أول محاولة في هذا الصدد للمستشرق الفرنسي رينو Reinaud 32 . ووفقا لنظرية العلماء الهنود فإن خطوط الطول يبدأ تعدادها من خط منتصف النهار الذي يمر بوسط المعمورة حيث توجد جزيرة لانكا Lanka التي عرفها العرب باسم سرنديب وتعرف حاليا باسم